في لحظةٍ طال انتظارها، ووسط مشاعر امتزج فيها الفرح بالدموع، كتب منتخب العراق لكرة القدم فصلًا جديدًا في تاريخه الكروي، حين نجح في التأهل إلى نهائيات كأس العالم بعد فوزه الثمين على منتخب بوليفيا بنتيجة (2-1)، في مباراة لم تكن مجرد مواجهة رياضية، بل معركة إرادة وهوية وكرامة وطن.هذا الانتصار لم يكن عابرًا، بل جاء بعد مسيرة طويلة من التحديات، امتدت لأربعة عقود من الغياب عن أكبر محفل كروي عالمي. أربعون عامًا من الانتظار، من الإخفاقات، من الأحلام المؤجلة، ومن جيل إلى جيل ظل يحمل نفس الأمل: أن يعود العراق إلى حيث يستحق.لقد دخل اللاعبون أرض الملعب وهم يدركون أنهم لا يمثلون أنفسهم فقط، بل يحملون على أكتافهم تاريخ شعبٍ بأكمله، شعبٍ عانى كثيرًا خارج المستطيل الأخضر، لكنه لم يفقد يومًا شغفه بكرة القدم. ولهذا، لم يكن الأداء مجرد تكتيك أو مهارة، بل كان تعبيرًا صادقًا عن الانتماء.الهدف الأول لم يكن مجرد تقدم في النتيجة، بل إعلان بداية الحلم. أما الهدف الثاني، فكان تثبيتًا لحقيقة أن هذا الجيل لا يقبل بأنصاف الحلول. وبين الهدفين، كانت هناك روح قتالية عالية، تنظيم واضح، وإصرار لا يلين. وحتى بعد تقليص الفارق من قبل منتخب بوليفيا، لم يهتز المنتخب العراقي، بل أظهر نضجًا تكتيكيًا وقدرة على إدارة المباراة حتى صافرة النهاية.هذا الإنجاز يُحسب لكل من ساهم فيه: من اللاعبين الذين قاتلوا داخل الملعب، إلى الجهاز الفني الذي أحسن قراءة المباراة، مرورًا بالجماهير التي لم تتخلَّ يومًا عن منتخبها رغم كل الظروف. إنه انتصار جماعي، عنوانه “العراق”.
لكن، ورغم هذا الفرح الكبير، لا بد من وقفة صريحة ومسؤولة. هذا التأهل يجب ألا يكون نهاية المطاف، بل بداية لمرحلة جديدة من البناء الحقيقي للرياضة العراقية. فالتاريخ علمنا أن الإنجازات الكبيرة يمكن أن تضيع إذا لم تُستثمر بشكل صحيح.المطلوب اليوم من صُنّاع القرار هو الانتقال من ردود الفعل إلى التخطيط الاستراتيجي: بدعم البنية التحتية الرياضية بشكل جاد. والاستثمار في الفئات العمرية لبناء جيل مستدام.وتوفير بيئة احترافية حقيقية للاعبين.
حماية الرياضة من التدخلات السياسية التي أنهكتها لسنوات.
إن تأهل العراق إلى كأس العالم ليس مجرد إنجاز رياضي، بل فرصة وطنية لإعادة الاعتبار للرياضة كأداة توحيد وبناء. ففي بلدٍ عانى من الانقسامات، تأتي كرة القدم لتُعيد رسم صورة الوطن الواحد، حيث يهتف الجميع باسم العراق فقط، دون أي انتماء آخر.





