تتمحور رؤى أدب الاشتباك في جانب من جوانبها حول إمكانيات قراءة التاريخ الخاص بالمضطهدين والمستعمرين، في سياقات استعمارية وشمولية ذات أبعاد مركزية، باعتبار أن أحد أهم أولويات الاستعمار هي محو تاريخ المستعمَر وإزالته واستبداله بتاريخ وثقافات وأطر المستعمِر التي سعى ويسعى هذا الأخير من خلالها نحو إقناع المحيط، بأهمية التاريخ المرتبط بحراكات وتجليات المعرفة الغربية، ذات الارتباطات الاستعمارية والسلطوية، وهذا ما يتطلب من المثقف والمثقفة في صورهم كافة، الاشتباك مع هذا التاريخ كتيار معرفي جبار، عبر موضعته ضمن سياق استعماري. إن إنكار الوشائج وطمس العلاقات، ما ظهر منها وما بطن، ما بين معارف وعلوم القرن التاسع عشر التنويري على الأقل، وما بين الاستعمار وانتشاريته خارج أوروبا المركزية، هذا الإنكار ما هو إلا إجراء آخر من الإجراءات التي تؤكد الموقعية الشاهقة للتاريخ، بصفته تاريخا غربيا، لا مكان فيه لمن هو ليس غربيا، وهذا لا يعني بالضرورة أن الاسترداد التاريخي الذي يقوم به المقهور هو استرداد إقصائي، يمارس من خلاله هذا المقهور الأدوار المركزية والشمولية ذاتها، التي مارسها قاهره بحقه، على العكس تماما فإن الاشتباك مع التاريخ بهذا الشكل يكفل تسطيحه وفتح آفاقه وزرع احتمالات الرحابة والكونية القائمة على تعدد الأصوات والمستويات، وحضور لسرديات سديمية تسمح بغياب السرديات المغلقة على ذاتها، والقائمة على أسس تصنيفية وفئوية وعنصرية.
ولطالما سعى الاستعمار في سياساته المعرفية العنفية في تطبيقاتها نحو إقناع الشعوب التي يستعمرها باسم الحضارة والقيم الإنسانية نحو الإمعان أكثر في تفكيك إنسانية هذه الشعوب، وإقصائها عن متن التاريخ بصفتها كائنات غير تاريخية، وهذا ما تمارسه منظومة الاستعمار الصهيوني منذ نشأتها بحق الفلسطينيين ووجودهم التاريخي في أرضهم، حيث تمارس هذه المنظومة عنفا تاريخيا مدعما بأبعاد دينية وقومية عنصرية، إزاء التاريخ الفلسطيني بتمثيلاته المتعددة الثقافية منها والأثرية والفلكلورية واللغوية والجغرافية أيضا، بما يهدف في النهاية ليس إلى إزالة وإبعاد التاريخ الفلسطيني عن متن التاريخ، وإنما زعزعة ثقة الفلسطيني بقدرته على مواجهة هذا العنف التاريخي شديد الوطأة. إن الحركة الصهيونية في سعيها الدائم نحو الاستحواذ على السردية التاريخية، وتحميلها دوما بحمولة الدين ومشهديات التوراة، استحالت في السياق ذاته إلى حركة ما فوق تاريخية في تعاملها مع الفلسطيني ككائن أرضي ولكن غير تاريخي.
غير أن عملية مواجهة هذا العنف التاريخ الإقصائي، بدأت بالفعل من خلال التحرر من معتمدات كتابة التاريخ وتمثيله في السياق المعرفي الغربي، وأصبح بالإمكان إعادة كتابة التاريخ الخاص بالمقهورين والمستعمَرين، من خلال أصواتهم هم، ولربما يمثل تيار التاريخ الشفوي مرجعا مهما في هذا الجانب، بعد أن جرى استخدامه في العديد من البلاد التي عانت وما زالت تعاني من تأثيرات الاستعمار، وبات من الواضح رؤية مشهدية تاريخية مغايرة لإجراءات وسياسات التاريخ المركزي الغربي وطقوسيته، التي لطالما حرمت غير الغربي من الدخول الى معبد التاريخ لكتابة وتدوين تاريخه الخاص .
وفي الحالة الفلسطينية التي باتت مرتبطة أكثر من أي وقت مضى بجماعات وقطاعات كونية معذبة ومضطهدة، يمكن القول إن ثمة إرثا شفويا هائلا منذ النكبة الاستعمارية عام 1948، على الأقل، يمكن البناء عليه وتمثيله بتمثيلات وتجليات متعددة المستويات. وهذا ما جرى بالفعل ضمن مبادرات جماعية وفردية، غير ان هذه الشفوية التاريخية، لم تستحل بعد إلى سردية تاريخية قادرة على مواجهة السردية الصهيونية الاستعمارية، وهذا ما يتطلب كتابة التاريخ على قاعدة الاشتباك بكل تفاصيله، مع النقيض المستعمر والمهيمن، من خلال امتلاك الجرأة، جرأة كتابة التاريخ بحبر الاشتباك، وإقامة أكثر من سياق متعدد الأصوات في سبيل كتابة هذا التاريخ بعيدا عن أي طقوسية إقصائية. ففي سبيل حفظ الحكاية وكتابتها كما حدثت بالفعل، يجب أن يكون هناك مكان لكل من يؤمن بضرورة كتابة، التي تكفل تمثيل وحفظ وحماية أصوات المقهورين، وحكاياتهم وتنهداتهم وأحلامهم. إن التاريخ ليس مجرد أحداث كبيرة يكتبها المنتصر والقاهر والمستعمِر، بل هو أيضا التفاصيل والهوامش والمسكوت عنه.
ليس ثمة تردد اليوم في كتابة تاريخنا وسردياتنا، كما نشاء نحن ويشاء وجعنا التاريخي، فغزة اليوم ليست بحاجة إلى أسس ومعتمدات ونماذج تاريخية معينة، لكي تكتب دماءها ودمارها وتجري عملية تدوين الإبادة الجماعية التي مورست بحق الشعب الفلسطيني هناك. غزة بحاجة إلى اشتباك من نوع مغاير وجديد وجريء وقادر على هز العالم بسرديات ومرايا وأصوات وألوان لطالما كانت غائبة عن ضميره وميادينه المعرفية والثقافية.





