إن تعديل رواتب الموظفين وتخفيض المخصصات الحكومية في هذا الوقت بالذات شيطنة حكومية يراد بها كسب ود العراقيين لحكومة منتهية الصلاحية ، وهي ليس مجرد إجراء مالي عابر، بل هو قرار يحمل أبعاداً اقتصادية، سياسية، واجتماعية عميقة. لكنها جاءت متأخرة ، وغالباً ما تلجأ الدول لهذه الخطوات كجزء من “سياسات التقشف” أو “إعادة الهيكلة الاقتصادية”.
لقد أدرك رئيس الوزراء محمد شياع السوداني بعد ثلاث سنين من إدارة حكومته التي بدأت تلملم اوراقها استعدادا للمغادرة، ان ضبط الكفة المالية الهدف الأساسي عادة ما يكون تقنياً ومرتبطاً بالأرقام المباشرة للدولة: كما ان عجز الموازنة في تقليص الفجوة بين إيرادات الدولة ومصروفاتها. وتعين اكثر من ( 50) مستشارا براتب لا يقل عن 5 ملايين دينار هو الهدر بعينه ، لان هذه التعينات تأتي لكسب المعارضين لسياسته الفاشلة او من اقاربه وعشيرته واهل بيته .
عندما تتجاوز النفقات (الرواتب والمخصصات) الدخل، يصبح الخفض ضرورة لتجنب الاستدانة المفرطة. الاستدامة المالية: ضمان قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها طويلة الأمد دون الانهيار تحت وطأة الديون السيادية. السيطرة على التضخم: أحياناً يكون الهدف سحب السيولة الزائدة من السوق للتحكم في ارتفاع الأسعار، رغم أن هذا الأسلوب قد يؤدي إلى ركود في القوة الشرائية. ان تحسين التصنيف الائتماني وإرسال رسالة للمؤسسات الدولية (مثل صندوق النقد الدولي) بأن الدولة جادة في الإصلاح، مما يسهل الحصول على قروض بفوائد أقل
اما الدلالات السياسية فهي رسائل للداخل والخارج تحمل هذه القرارات “لغة سياسية” مشفرة: الشفافية والمشاركة في العبء عندما تبدأ الحكومة بتخفيض مخصصات كبار المسؤولين (الوزراء والبرلمان) قبل الموظفين الصغار، فإنها تهدف إلى خلق حالة من “التضامن الوطني” وتقليل الغضب الشعبي.
ان تحول دور الحكومة بهذا الاتجاه تعطي هذه الخطوات دلالة على رغبة الدولة في التخلي عن دور “الأب الراعي” والتوجه نحو “الاقتصاد الحر”، حيث يتم تشجيع الموظفين على الانتقال للقطاع الخاص.
ان الاستجابة للأزمات تدل على وجود أزمة حقيقية في الموارد (مثل هبوط أسعار النفط في الدول الريعية أو تعطل الإنتاج)، وهي بمثابة “جرس إنذار” للمجتمع.. ثم تنعكس على الواقع لاجتماعي مثل التحديات والمخاطر هذا الجانب هو الأكثر حساسية، ودلالاته غالباً ما تكون مقلقة، خاصة في انخفاض القوة الشرائية وتعديل الرواتب نزولاً يعني تراجع مستوى المعيشة، مما قد يؤدي إلى اتساع رقعة الفقر أو تآكل الطبقة الوسطى.
وخلال السنوات الثلاث فقد العراقيين الأمن الوظيفي مما تولد هذه الإجراءات حالة من القلق والتوتر النفسي لدى العاملين، مما قد يؤثر على الإنتاجية والولاء المؤسسي. فالحراك الاجتماعي قد يؤدي إلى موجات من الاحتجاجات أو الإضرابات إذا لم يصاحبها إجراءات حماية اجتماعية للفئات الأكثر تضرراً.
ملخص هذه الدلالات (المخطط لها) هي دلالة السلبية (المخاطر)المالية العامة استقرار العملة ، وتقليل الديون انكماش اقتصادي، وتراجع الاستهلاك القطاع الخاص ، والفشل في تحفيز الشباب للعمل الحر والخاص، ضعف القوة الشرائية للسوق المحلية والفشل في ترشيق الجهاز الإداري للدولة ، هجرة الكفاءات من القطاع العام
ملاحظة مهمة، يعتمد نجاح هذه الإجراءات التي تأتي بالوقت الضائع على “العدالة في التطبيق”. فإذا طال الخفض المخصصات البذخية والامتيازات غير المبررة لإدارات الثلاث ( الحكومة والرئاسة ، والبرلمان ) تقبلها الشارع كضرورة وطنية. أما إذا استهدف الرواتب الموظفين والمتقاعدين فقط، فقد يؤدي إلى نتائج عكسية.





